محمد جواد مغنية
59
في ظلال نهج البلاغة
المشورة : ( ولا تدخلن في مشورتك بخيلا إلخ ) . . . ليس المراد بالمشورة هنا النظام الشوري في مقابل الاستبداد والدكتاتورية ، بل مجرد الاستئناس برأي من ترى منه الوعي والنصيحة . . . والإمام ينهى عن الأخذ برأي الجبان والبخيل والحريص ، وهذان الاثنان سواء في القبض والإمساك ، ولكن الحريص أكثر جشعا وشرها يكدح ليل نهار في السعي لدنياه ، أما البخيل فقد يكون كسولا ، والإنسان على وجه العموم ينظر إلى الأشياء ويتصورها من خلال ذاته كالنملة ترى للَّه شاربين كما لها - على ما قيل - وكالضفدعة في بئر ترى السماء بحجم فوهة البئر ، ومن هنا وخوفا من الفقر يأمر البخيل بالإمساك ، والجبان بالاستسلام حرصا على الحياة ، ويأمر الحريص بالكدح لمجرد الجمع والادخار . وقد يظن أن العالم الباحث الذي يحلل الأشياء الطبيعية في مختبره هو الوحيد الذي ينظر إلى هذه الأشياء نظرة مجردة ونزيهة . . . وهذا خطأ ، لأن العالم كأي إنسان يستحيل أن يتجرد عن ذاته . . . وكل ما يصدر عنه من حكم وقول إنما يصدر من خلال إدراكه الذاتي وشعوره الشخصي ، والفرق بينه وبين غيره ان شعوره يتولد من الحس والتجربة ، أما شعور غيره كالجبان والبخيل فإنه يتولد من الوهم والخيال ، أو كما قال الإمام من سوء الظن باللَّه الذي كتب على نفسه الرحمة ، وقال : * ( يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيه ِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ ا للهِ إِنَّه ُ ) * - 87 يوسف . ( ان شر وزرائك من كان للأشرار إلخ ) . . . أكثر الناس يلقون الحاكم بالرياء والتصنع ، ويثنون عليه بما ليس فيه ، وبالخصوص إذا كان من الطغاة والأشرار ، ومن البداهة ان الشرير لا يصحبه إلا من كان من فصيلته وعلى شاكلته ، ولذا حذر الإمام من أعوان الأثمة وإخوان الظلمة ، وأوصى عامله أن ينظر إلى ماضي أعوانه واخوانه وتاريخهم ومقاصدهم ، وان يختار من حسنت سيرته وطابت سريرته . ( وأنت واجد منهم إلخ ) . . . يقول الإمام لعامله : دع أهل السوابق في المثالب والجرائم حتى ولو بلغوا الغاية من الوعي والذكاء ، فإنهم يخادعون ويضللون ، ويتخذون من عقولهم وذكائهم أداة للصوصية . . . وعليك بأهل الدين والصلاح ، فإنهم لا يغشون من استنصحهم ، ولا يرون لهم فضلا عليه ، لأنهم يعطون كل